الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010

قبل الغياب


قبل الغياب

بقلم / محمد عاشور هاشم .

ما إن تلقفني وجهه العجوز بالترحاب ، وجلست قبالته على حافة السرير ، الذي لا يغادره هذه الأيام إلا قليلا ، حتى بادرني قائلا ، وقد أضاءت لمبات وجهه كلها ، لأول مرة ، منذ زمن بعيد :

- ابن حلال .. كنت سأرسل لك اليوم .

- خيرا يا عم حسين ؟

سكت قليلا ، وهو يتأملني ، وملامح وجهه كلها تشي بأنه سيفضي إليّ بخبر سعيد ، قال :

- محمود رجع ..

- محمود ؟!

قلتها بشيء من اللامبالاة ..

- محمود من ؟

- محمود ... !!

قالها بشيء من العتب ؛ إذ كيف لا أعرف محمودا الذي يتكلم عنه ؟

فكرت قليلا ، ثم تساءلت وقد أعياني البحث :

- محمود ؟ من محمود ؟!

- محمود .. ابني .. صاحبك ..

قالها كأنه يرميني بالتقصير وعدم الوفاء، إذ كيف لا أعرف من البداية أنه يتكلم عنه ؟

ألجمت المفاجأة لساني ، تمتمت بعد قليل ، وأنا أنظر عميقا إلى عينيه :

- محمود ؟ معقول ؟

- نعم .. والله .. بالأمس كنت جالسا في المحل ، بعد العصر ، لأرى الناس بعد أن توقفت – كما تعرف – عن العمل ، حينما دخل عليّ مكبّا محتضنا إيّاي بشوق غيبته الطويلة . قبّل وجهي ويدي وقدمي . بكى طويلا وأبكاني . كدت أن أموت من الفرح ، احتضنته كأن هذا هو آخر ما سأفعله في حياتي . لم نكف عن الهذيان إلا بعد ما يقرب من الساعتين . لم أخبره برحيل أمه إلا بعد أن استراح . كاد قلبه أن ينفطر . أصر على أن يزورها بالرغم من الليل الذي كان قد دخل . ذهبنا إليها واجتمع شملنا مرة أخرى .. بعد ثمان سنوات .

توقف الشيخ قليلا يلتقط أنفاسه ، ثم عاد يقول بنفس لهجته الحارة :

- أخذته وصممت أن أحتفل به على طريقتي . طفت به في الشوارع ؛ كأنني أُشهد الناس على عودته . أخذته إلى مسمط عمران ، وأكلنا كوارع وممبار ، ثم توجهنا إلى قهوة النادي فاحتسينا الشاي والبوري ، والتفّ حولنا الأحباب والأصحاب ،وقضينا وقتا هو الأسعد منذ سنين بعيدة ، وحينما غادرنا إلى المنزل كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا ، جلسنا أنا وهو نتسامر حتى شقشق الصبح .

تركت الرجل في حديثه المتدفق ، وتوجهت إلى الآخر بسؤالي :

- أتسافر وتترك والديك ؟

- وماذا أفعل هنا ؟

- نفس ما ستفعله هناك ..

- يكفي أن أفعل هناك عشر ما أفعله هنا كي آخذ أضعافا مضاعفة .

- أنت واهم ..

- .........

- والغربة كربة !

- غربة الوطن أشد كربا !!

- ووالداك ؟

- سنة أو اثنتان وأعود !

هززت رأسي في أسى وشفقة .

فاجأني بقوله :

- أنت الآخر يجب أن ترحل ..

- أنا ؟!!

- ماذا لديك لتبقى من أجله ؟

- كل شيء ..

- وهم ..

- وهم لذيذ .. !

- إذن سأدعو لك أن تغرق فيه !!

- محمود يا عم حسين ؟

- أي والله يا بني ، إنه بالدخل نائم .. لولا تعبه وسهر الأمس لتركتك توقظه !!

- لا .. أتركه يا عم ، سآتي مرة أخرى لأراه .

قلت ذلك ، ثم لذت بالصمت .. بعد قليل قلت ، وقد تذكرت شيئا فاتني :

- حمدا لله على سلامته !

- الله يسلمك يا بني .. ربنا يرجع كل غائب لأحبابه !

أمنت على دعائه بخفوت ، ثم أطرقت إلى الأرض ، وعدت إلى بحر الصمت العميق ..

بعد دقائق ثقيلة وحديث مجهد استأذنت في الانصراف ، على وعد بالعودة مرة أخرى .

وحينما خرجت من الشقة سمعت الباب يقفل ورائي ، فشعرت كما لو أن صوته قد أصبح له وقع جديد .

هبطت السلالم بهدوء وأنا أستند على الدرابزين ، كأنني موشك الوقوع .

" محمود يا عم حسين ؟ "

خرجت إلى الشارع وأنا لا أرى الوجوه ولا أسمع التحيات . لم يكن هناك سواه :

- أبي وأمي أمانة في عنقك ..!!

- ..............

- ليس لهما بعد الله سواك .

كان ذلك قبل ثمان سنوات . كانت عيناه قد احمرتا إيذانا بالبكاء .

لماذا يحضرني الآن ؟ ولماذا يحضرني دائما في اللحظات الفارقة : حينما رحلت أمه حزنا عليه ، وقبلها ، حينما جاء الناعي ينعيه .

لماذا يأتيني الآن ؟ ولماذا أراه هكذا ، مختنقا بالبكاء ؟

( تمت )

مجلة القصة عدد 119