قبل الغياب
بقلم / محمد عاشور هاشم .
ما إن تلقفني وجهه العجوز بالترحاب ، وجلست قبالته على حافة السرير ، الذي لا يغادره هذه الأيام إلا قليلا ، حتى بادرني قائلا ، وقد أضاءت لمبات وجهه كلها ، لأول مرة ، منذ زمن بعيد :
- ابن حلال .. كنت سأرسل لك اليوم .
- خيرا يا عم حسين ؟
سكت قليلا ، وهو يتأملني ، وملامح وجهه كلها تشي بأنه سيفضي إليّ بخبر سعيد ، قال :
- محمود رجع ..
- محمود ؟!
قلتها بشيء من اللامبالاة ..
- محمود من ؟
- محمود ... !!
قالها بشيء من العتب ؛ إذ كيف لا أعرف محمودا الذي يتكلم عنه ؟
فكرت قليلا ، ثم تساءلت وقد أعياني البحث :
- محمود ؟ من محمود ؟!
- محمود .. ابني .. صاحبك ..
قالها كأنه يرميني بالتقصير وعدم الوفاء، إذ كيف لا أعرف من البداية أنه يتكلم عنه ؟
ألجمت المفاجأة لساني ، تمتمت بعد قليل ، وأنا أنظر عميقا إلى عينيه :
- محمود ؟ معقول ؟
- نعم .. والله .. بالأمس كنت جالسا في المحل ، بعد العصر ، لأرى الناس بعد أن توقفت – كما تعرف – عن العمل ، حينما دخل عليّ مكبّا محتضنا إيّاي بشوق غيبته الطويلة . قبّل وجهي ويدي وقدمي . بكى طويلا وأبكاني . كدت أن أموت من الفرح ، احتضنته كأن هذا هو آخر ما سأفعله في حياتي . لم نكف عن الهذيان إلا بعد ما يقرب من الساعتين . لم أخبره برحيل أمه إلا بعد أن استراح . كاد قلبه أن ينفطر . أصر على أن يزورها بالرغم من الليل الذي كان قد دخل . ذهبنا إليها واجتمع شملنا مرة أخرى .. بعد ثمان سنوات .
توقف الشيخ قليلا يلتقط أنفاسه ، ثم عاد يقول بنفس لهجته الحارة :
- أخذته وصممت أن أحتفل به على طريقتي . طفت به في الشوارع ؛ كأنني أُشهد الناس على عودته . أخذته إلى مسمط عمران ، وأكلنا كوارع وممبار ، ثم توجهنا إلى قهوة النادي فاحتسينا الشاي والبوري ، والتفّ حولنا الأحباب والأصحاب ،وقضينا وقتا هو الأسعد منذ سنين بعيدة ، وحينما غادرنا إلى المنزل كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا ، جلسنا أنا وهو نتسامر حتى شقشق الصبح .
تركت الرجل في حديثه المتدفق ، وتوجهت إلى الآخر بسؤالي :
- أتسافر وتترك والديك ؟
- وماذا أفعل هنا ؟
- نفس ما ستفعله هناك ..
- يكفي أن أفعل هناك عشر ما أفعله هنا كي آخذ أضعافا مضاعفة .
- أنت واهم ..
- .........
- والغربة كربة !
- غربة الوطن أشد كربا !!
- ووالداك ؟
- سنة أو اثنتان وأعود !
هززت رأسي في أسى وشفقة .
فاجأني بقوله :
- أنت الآخر يجب أن ترحل ..
- أنا ؟!!
- ماذا لديك لتبقى من أجله ؟
- كل شيء ..
- وهم ..
- وهم لذيذ .. !
- إذن سأدعو لك أن تغرق فيه !!
- محمود يا عم حسين ؟
- أي والله يا بني ، إنه بالدخل نائم .. لولا تعبه وسهر الأمس لتركتك توقظه !!
- لا .. أتركه يا عم ، سآتي مرة أخرى لأراه .
قلت ذلك ، ثم لذت بالصمت .. بعد قليل قلت ، وقد تذكرت شيئا فاتني :
- حمدا لله على سلامته !
- الله يسلمك يا بني .. ربنا يرجع كل غائب لأحبابه !
أمنت على دعائه بخفوت ، ثم أطرقت إلى الأرض ، وعدت إلى بحر الصمت العميق ..
بعد دقائق ثقيلة وحديث مجهد استأذنت في الانصراف ، على وعد بالعودة مرة أخرى .
وحينما خرجت من الشقة سمعت الباب يقفل ورائي ، فشعرت كما لو أن صوته قد أصبح له وقع جديد .
هبطت السلالم بهدوء وأنا أستند على الدرابزين ، كأنني موشك الوقوع .
" محمود يا عم حسين ؟ "
خرجت إلى الشارع وأنا لا أرى الوجوه ولا أسمع التحيات . لم يكن هناك سواه :
- أبي وأمي أمانة في عنقك ..!!
- ..............
- ليس لهما بعد الله سواك .
كان ذلك قبل ثمان سنوات . كانت عيناه قد احمرتا إيذانا بالبكاء .
لماذا يحضرني الآن ؟ ولماذا يحضرني دائما في اللحظات الفارقة : حينما رحلت أمه حزنا عليه ، وقبلها ، حينما جاء الناعي ينعيه .
لماذا يأتيني الآن ؟ ولماذا أراه هكذا ، مختنقا بالبكاء ؟
( تمت )
مجلة القصة عدد 119
