

ظاهرة الكتب الأكثر مبيعا بين التصديق والتشكيك
تحقيق الروائي / محمد عاشور هاشم
تطالعنا هذه الأيام ظاهرة جديدة هي ظاهرة الكتب الأكثر مبيعا أو " البست سيلر " ، حيث يقوم البعض بالإعلان عن أرقام مبيعات كبيرة ، تتجاوز المألوف في بعض الأحيان ، وبدأت ظاهرة تعدد الطبعات وكثرتها تظهر هي الأخرى ، فبدأنا نسمع أن هناك كتابا ما طبع منه أربع أو خمس أو ست طبعات في فترات زمنية قصيرة ، وأصبحت دور النشر تضع على مطبوعاتها تنويهات عن أن هذا الكتاب قد حقق نسبة بيع عالية ، وقد ساهم ذلك في مزيد من الدعاية والترويج لهذه المطبوعات ، ولكن هل يمكن أن نعد هذه الظاهرة ظاهرة حقيقية فعلا ؟ وهل تعد مقياسا لقيمة الكاتب وتميزه ، أم أن ثمة أمورا أخرى هي التي تحدد أبعاد هذه الظاهرة ؟
الكاتبة الشابة سهى زكي ، صاحبة " جروح الأصابع الطويلة " ، ترى أن هذه الظاهرة ليست ظاهرة عربية ولا يصلح لها المناخ الثقافي العربي ، فلكي نقول أن كتابا ما حقق نسبة مبيعات عالية يجب أن تكون هذه المعلومة صادرة عن مصدر موثوق فيه يعطي أرقاما وإحصاءات دقيقة ، لا تترك مجالا للطعن أو التشكيك ، لكن الواقع يقول غير ذلك فالذي يصدر هذه الإحصاءات هي دور النشر نفسها التي يهمها أن تروج لإصداراتها بإطلاق مثل تلك الأقاويل .
وقالت سهى زكي " ليس معنى كلامي أن تكون هذه الأرقام كاذبة مئة بالمئة ، فهناك بالتأكيد نماذج يصدق عليها هذا الكلام تماما ، مثل رواية " الفاعل " و " لصوص متقاعدون " لحمدي أبو جليل ، و " ما وراء الفردوس " لمنصورة عز الدين " و .. و .. التعميم لا يجوز هنا ، فهذه الكتب حققت نسب توزيع كبيرة وكانت بحق ضمن أفضل الكتب مبيعا "
وعن السؤال عما إذا كان من المفروض أن يكون الكتاب الذي يحقق نسبة توزيع عالية كتابا قيما ومهما قالت سهى " لا يشترط هذا الأمر .. فقد يكون الكتاب جيدا وقد لا يكون " وعلقت أيضا على هذا الأمر قائلة " هناك اعتقاد خاطئ بأن الكتب الأكثر بيعا كتب عادية ، لمؤلفين لا يستحقون أن توضع أسماءهم بين أسماء كتاب الصف الأول " وأضافت " أن الذي ساهم في ترسيخ هذا الاعتقاد أعمال كـ " شيفرة دافينشي " لدان براون عالميا ، وكتابات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي محليا " وقالت إنها لا توافق على ذلك ، لأن هناك أمثلة نجحت في تحقيق شطري المعادلة الصعبة .
وبالرغم من وجهة نظرها هذه إلا أن سهى زكي تمنت أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه المعلومات الواردة بشأن الكتب الأكثر بيعا معلومات صادقة وموضوعية .
الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد جاء رأيه مقاربا حيث قال " لا تثقوا كثيرا في هذه الأرقام التي تعلنها دور النشر ، فهي أمور تسويقية تلجأ إليها دور النشر للترويج لكُتَّابها وزيادة نسب التوزيع لديها "
وقال إبراهيم عبد المجيد " ما أيسر أن يقال أن ثمة كتاب حقق عددا كبيرا من الطبعات ، في الوقت الذي لا تتعدى فيه هذه الطبعات المئة كتاب ، وليتها تباع كلها ، ولكن معظمها يوزع كهدايا " وأضاف " في الخارج تكون لهذه الأرقام دلالات خاصة ، فالتوزيع هناك بعشرات الآلاف ، وربما بمئات الآلاف أو الملايين ، وربما يطبع في الطبعة الواحدة مئات الآلاف من النسخ . كما أن الإحصاءات هناك دقيقة ويشرف عليها جهات مستقلة لا يقبل كلامها التشكيك "
ويرى إبراهيم عبد المجيد أن هناك ظلما واقعا في محاسبة الكتب جميعها بمقياس واحد في الوقت الذي يضع فيه الغرب مقاييس مختلفة وتصنيفات رئيسية عند الحديث عن أكثر الكتب بيعا ، فيقال مثلا أن هذه الرواية حققت أعلى نسبة توزيع في مجال الأدب ، وأن ذلك الكتاب حقق نسبة توزيع كبيرة في مجال الاقتصاد ، وهكذا في باقي المجالات الأخرى ، مما يعطي مصداقية كبيرة ، وفرصة حقيقية للتنافس بين الأجناس المختلفة "
وعن توقعه لتنامي هذه الظاهرة واكتسابها مزيدا من الثقة والمصداقية في المستقبل قال إبراهيم عبد المجيد " قد يحدث هذا ، خاصة وأن دور نشر كبيرة بدأت تصدر أرقاما وإحصاءات دقيقة عن مبيعاتها ، كالشروق والديوان ، ولكن تبقى هذه المحاولات فردية وليست على نطاق "
وجاء رأي الروائي حمدي الجزار ، صاحب " لذات سرّية " ، مختلفا ، فقد دافع عن هذه الظاهرة قائلا " إنها ظاهرة موثوق فيها وجديرة بالاحترام ، وتعطي مؤشرا حقيقيا عن جودة العمل وتميز صاحبه ، وهي وإن كانت ظاهرة غربية المنشأ ، جديدة على ثقافتنا ، إلا أنها وجدت صدى طيبا وأصبح لها مردود إيجابي ، حيث أنها أصبحت تلفت نظر القارئ نحو الوجهة الصحيحة لقراءته "
ودلل على صحة كلامه قائلا " يكفي أن تعرف أن من يصدر هذه المعلومات هي مكتبات البيع التي انتشرت على الساحة الآن بقوة ، وأصبحت منفذا هاما لعمليات التوزيع ، كما أن هناك اسم له ثقله دخل إلى هذه الساحة وأعني بها مؤسسة الأهرام "
الدكتورة فاطمة البودي صاحبة ومديرة دار العين للتوزيع والنشر رفضت الاتهامات الموجهة لدور النشر " أستطيع أن أتكلم عن تجربة دار العين الخاصة ، فنحن لا نعلن عن الكتب التي تحقق نسبة بيع عالية إلا إذا كان ذلك صحيحا ، ويبدأ ذلك بتوارد بيانات التوزيع من المكتبات الخاصة التي نتعامل معها ، ومن الموزعين الآخرين الذين يطلبون منا كتبا بعينها ، تجد لديهم رواجا ، ويسأل عنها القراء ، وبتعدد هذه البيانات والطلبات نعلن أن هذه الكتب تحقق نسبة بيع عالية ، الشيء الذي يزيد من رواجها فتتعدد طبعاتها وتزيد شهرتها "
وتساءلت الدكتورة فاطمة باستغراب : هل مطلوب مني أن أخفي أن لديّ كتابا يدخل ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعا لكي لا أتهم بالكذب وتلفيق المعلومات ؟
ورفضت القول أن مسألة تعدد الطبعات تلك أمر وهمي الغرض منه الترويج فقط ، في الوقت الذي لا يتعدى فيه عدد الطبعة الواحدة المئة كتاب ، وقالت " إن ذلك غير صحيح ، فمعظم أرقام مطبوعاتنا هي ألف نسخة للطبعة الواحدة ، وإن قلَّت عن ذلك فلن تقل عن الخمسمائة نسخة ، وهي أرقام محترمة في سوق الكتاب المحلي "
وتكلمت عن الكتاب الذي يدخل في قائمة أفضل الكتب بيعا من وجهة نظرها فقالت " ليس من الضروري أن تتعدد الطبعات لكي يصبح الكتاب من أفضل الكتب مبيعا ، يكفي ، في رأيي ، أن يحقق نسبة توزيع كبيرة في فترة زمنية قصيرة ، وهذا ما تحقق بالفعل لدينا مع رواية " أبناء الجبلاوي " لإبراهيم فرغلي ، التي بيع منها ستمائة نسخة في أربعة شهور ، بالنظر إلى أنها رواية كبيرة تتعدى الخمسمائة صفحة "
ووافقت الدكتورة فاطمة البودي على ما يقال من أن ظاهرة الكتب الأكثر بيعا إنما هي ظاهرة غربية وأنها لم تظهر في واقعنا العربي إلا منذ فترة قصيرة ، إلا أنها أكدت أنها تسير بشكل متنامي ومتسارع نحو تحقيق مصداقية وموضوعية ستجعلها العامل الرئيسي الفاعل في سوق الكتاب في الفترة المقبلة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق